الشيخ محمد الصادقي
198
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
خلافته الرسالية ، فأعذر نفسه من هذه الزاوية ، لكي يعلموا أنه ليس هو المقصود بالمهانة . ذلك ، وعلى أية حال ، كما ملكت النبوة موسى عليه السلام بكل كيانه وشراشر كونه ، كذلك يملكه الغضب حين يرى نبوته ودعوته الطائلة ساقطة بين يديه من هؤلاء الذين عبدوا العجل ، إذاً فحق له أن يلقي الألواح - دون إلغاء - وإنما إلقاءً لقاء ما رأى نبهة لهم أنكم القيتموها إلغاءً ، وحق له أن يأخذ برأس أخيه يجره إليه - دون أن يبعده عنه - حين لا يرى حاصلًا صالحاً لكونه فيهم حيث استضعفوه وكادوا يقتلونه . وحق لهارون أيضاً أن يدافع عن نفسه تبييناً لموقفه المرير أمام ذلك الواقع الشرير . ولما أعذر هارون نفسه من هذه المزرئة المضلِّلة : « إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي » فلم يكن لي عليهم من سلطان حتى أمنعهم عما ضلوا ، بل قد أبلغت خلافتي الرسالية لمنتهاها ، وحتى « وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » ، عذره موسى ودعاله ولنفسه . « 1 » « قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » ( 151 ) . « اغْفِرْ لِي » ما عجلت عن قومي وما صاحبتهم إلى المعياد فحصل ما حصل ، و « اغْفِرْ لِي » ما فعلت بأخي حيث لم يستحق ذلك التأنيب الشديد ، واغفر « وَلِأَخِي » إذ لم يستطع أن يخلفني كما يجب قصوراً لاتقصيراً إذ قدم ما قدم بطوعه وقوته على ضعفه : « وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى » ( 20 : 90 - 91 ) مما يلمح إلى مدى عذره بدوره خليفة الرسول بغيابه ، « وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ » الخاصلة بعد ما خرجنا منها فترة الابتلاء « وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » . فقد نرى أن هارون لم يقصِّر في خلافته ، اللَّهم إلا قصوراً باستضعافه وخوف قتله ، إلا أن واقع الحال يتطلب تلك الظاهرة الغضبانة الآسفة من موسى عليه السلام بهارون ، ورغم أنهم
--> ( 1 ) . نور الثقلين 2 : 71 في تفسير العياشي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : ان اللَّه تبارك وتعالى لما أخبر موسى عليه السلام أن قومه اتخذوا عجلًا له خوار فلم يقع منه موقع العيان فلما رآهم اشتد غضبه فألقى الألواح من يده وللرؤية فضل على الخبر